أبي طالب المكي

212

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

[ آل عمران : 106 ] . ويشير بإصبعه إليهم . ثم بكى . فقلت : يا أبا أمامة تقول فيهم ما تقول ؟ ثم بكى . فقال : قاتل الله إبليس ما صنع بهؤلاء الناس يا أبا غالب . إنهم كانوا على ديننا فأبكي مما هم لاقون . هؤلاء بأرضك كثير فأعيذك بالله منهم ثلاث مرات . فقلت : آمين يا أبا أمامة أشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو شيء تقوله من قبل رأيك ؟ قال : إني إذا لجريء ثلاث مرات . لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع يقول : تفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة ، تزيد أمتي عليها فرقة ، كلها في النار إلَّا السواد الأعظم فقال رجل كان معنا : يا أبا أمامة إنّ في السواد الأعظم بني فلان قال : وإن فعلوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم . والجماعة خير من الفرقة ، والطاعة خير من المعصية . ثم نظر إلى الرؤس فقال : أيغضبون لنا ويقتلوننا هذه رؤس الخوارج وهم الحرورية الذين خرجوا على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بالنهروان ، وهم أوّل قرن نبغ من المبتدعة وأوّل بدعة ابتدعت في الإسلام ، وكانوا قرّاء المصاحف في أعناقهم والسجادات كركب المعزى في جباههم ، فأنكروا عليه تحكيم الحكمين وسألوه أن ينقض حكمه فيرجع عنه وقالوا : لا حكم إلَّا الله ، وأنكروا أمر السلطان ورأوا الخروج على الإمام ، وكفروا عثمان وصوّبوا قتل غوغاء المصريين له ، وطالبوا عليّا عليه السلام أنّ يوافقهم على رأيهم ويتابعهم على أهوائهم على أن قاتلوا معه المسلمين إن رجع عن تحكيم الحكمين ، وكفّروا أهل الكبائر بالمعاصي ، فرأى على ما أراه الله تعالى وبما عهد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قتل المارقين فقتلهم فهؤلاء في النار . وقاتلوهم عليّ وأصحابه خير أهل الأرض عليّ يبغضه ويسبّه قبل أن يظهر منه ما ظهر ، فخرج عليه عبد الله بن الكوافي ستة آلاف ، فأرسل عليّ عليه السلام عبد الله بن عباس إليهم يناظرهم ويحاجّهم ، فسبّوه وبطشوا به ، وجرأهم عليه ابن الكوافي هذا فقام خطيبا فيهم فقال : أتعرفوني بهذا أنا أعرفكموه : هذا من القوم الذين قال الله فيهم : ما ضربوه لك إلَّا جدلا بل هم قوم خصمون ، ثم تراجع بعضهم إلى ابن عباس فسأله فكشف له عن الحقّ واستتاب منهم ألفين ، وقاتل عليّ كرّم الله وجهه أربعة آلاف ، فهذه أوّل فرقة مرقت من الدين واتبعت غير سبيل المؤمنين . ثم افترقت الفرقة الثانية بالمدائن فرأوا دين الأرجاء ، وأنّ الإيمان قول وعمل ، وأنه لا يزيد ولا ينقص . وكتب بذلك إلى أمير الشام فهمّ بقتالهم ، ثم شغل عنهم بقتال الروم ثم افترقت الفرقة الثالثة بالبصرة وهم القدرية إمامهم معبد الجهني ، وتابعه عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء الغزال وأصحابهم . ثم خرجت الفرقة الرابعة من الكوفة سموا بذلك لما رفضوا زيد ابن علي بن الحسين حين